الخميس، 23 أكتوبر 2008

فيلم تلفزيوني جديد للسينمائي التشادي محمد صالح هارون.. جنس وغومبو وزبدة مملحة: تعاون بين الشاشتين

لقطة من جنس غومبو وزبدة مملحة في التصورات الرائجة في عالم التلفزيون، عنـــدنا وعند غيرنا، أن الدراما التلــفزيونية التي تقدم في سهرة واحدة، تعتبر أقرب الى المسلسل المختصر في حلقة واحدة. ومن هنا تسري عليها نظم المسلسل، واللغة التلفزيونية، وصولاً الى التوليف التلفزيوني الذي يعتمد قلة عدد اللقطات والارتكاز الى المكبرة وما الى ذلك. وهذا النوع من العمل يسمى عادة ســـهرة تلفــزيونية ويقدم أحياناً ضمن اطار سهرات عديدة يصار الى تعريفها بأنها سهرات متصلة ومنفصلة. وطبعاً لا نريد أن نقف هنا عند هذا النوع ورواجه أو عدم رواجه عندنا... بل فقط نريد أن نقول أن ثمة سوء تفاهم واضحاً يحيط به، تماماً كما يحيط سوء تفاهم مشابه، لدى الحديث عن الفوارق بين الرواية والقصة القصيرة في الأدب، مع أن المنطق يقول لنا اننا هنا في ازاء نوعين أدبيين مختلفين عن بعضهما البعض، لا أمام عملين يختلف طولهما فحسب. انطلاقاً من هنا قد لا يكون وصولاً الى المواضيع من طريق خطأ أن نحن قلنا ان السهرة التلفزيونية التي يطلق عليها اسم تيليفيلم يجب أن تعتبر عملاً ابداعياً فنياً قائماً في ذاته، نصاً وسيناريو وإخراجاً وحتى توليفاً في نهاية الأمر. وهذا العمل ان لم يُسأ فهمه وتنفيذه، يتوجب تراتبياً أن يكون في موقع أرفع من موقع المسلسل التلفزيوني، وحتى من مـــواقع أيــة بــرامج درامــية أخرى. ولعل في إمكاننا أن نقول انه العمل الذي يقترب أكثر ما يقترب الى الإبداع السينمائي، لأنه غالباً ما يحمل لغة السينما في البلدان التي تعطيه كل قيمة، وبالتالي يدعى في معظم الأحيان مبدعون سينمائيون لتنفيذه. بل ربما يعرض في الصالات السينمائية قبل عرضه على الشاشة الصغيرة حتى وإن كان محققاً من أجل هذه، وبالتالي بكلفة ضئيلة. نظرة على الحياة مناسبة هذا الحديث، هو تيليفيلم فرنسي، عرض الجمعة الفائت على شاشة آرتي الثقافية الفرنسية - الألمانية، ويعاد عرضه اليوم، كما سيعرض مراراً في الأيام المقبلة، قبل أن يبدأ جولات مهرجانية وعروضاً في الصالات. والفيلم عنوانه جنس، غومبو، وزبدة مملحة. وسبب حديثنا عنه هنا هو أن مخرجه هو السينمائي التشادي محمد صالح هارون، الذي يعتبر في أوروبا وفرنسا خصوصاً، جزءاً من السينما العربية، وإن كان يعيش ويعمل في فرنسا. وكان فيلمه ابونا الذي أطلقه في العالم قبل سنوات قد حصد نجاحات عدة. هذه المرة، إذاً، شاء هارون أن يحقق تيليفيلم، تبلغ مدة عرضه نحو ساعة ونصف ساعة، ما يؤهله حتى على هذا الصعيد للعرض كفيلم سينمائي. والفيلم ينتمي الى سينما المهاجرين العرب والأفارقة التي تنتج بوفرة عن حياة هؤلاء في فرنسا. أما موضوعه فيتناول الأزمة التي يجد نفسه فيها مالك، العامل المالي العاطل حالياً من العمل والذي يكتشف ذات يوم أن زوجته هورتانس تركته لتعيش حكاية حب مع رجل أبيض في مدينة أركاشون. وما يزيد من طين مالك بلة هو ان الزوجة تتركه وحده مع ولديهما، ليكتشف ان احدهما مثلي الجنس. من حول هذه الوضعية العائلية التي تبدو هنا ذات خصوصية، يقدم هارون هذا الفيلم ومن خلاله حياة وإحباطات فئة عريضة من الأجانب الذين يعيشون في فرنسا، وغالباً من دون أن يرغبوا في الاندماج فيها... حتى ترغمهم الظروف على ذلك. وتبدو لغة هارون السينمائية في هذا الفيلم متطورة، وهو أمر أشاد به نقاد كثر، لفتوا الى كم ان التلفزيون يبدو قادراً على اعطاء فرص، من دون تكلفة سينمائية باهظة، ومن دون نجوم كبار، لعشرات المبدعين كي يحققوا اعمالاً تقول نظرتهم الى الحياة والمجتمع، في منطقة وسط بين السينما الخالصة وابنة عمها اللدود: الشاشة الصغيرة. وفي يقيننا ان فيلم هارون هذا، يمكنه أن يشكل درساً قيماً، لو عرض عندنا، على شاشات عربية، حول تعاون خلاق بين الشاشتين، يضيف الى الصغرى إبداع السينمائيين ومواضيعهم الشائكة والشائقة، ويضيف الى الكبرى، بساطة العمل التلفزيوني وتواضعه. * آرتي 11.20 بتوقيت غرينتش.
المصدر

ليست هناك تعليقات: